عبد الملك الجويني

26

الشامل في أصول الدين

ومما نتمسك به أن نقول : إذا زعمتم أن كل معلوم شيء ، فما قولكم فيمن علم أنه لا شريك للّه تعالى ، أو علم أن الضدين لا يجتمعان ، فهل لعلمه هذا معلوم ؟ فإن أثبتوا له معلوما ، وهو مذهب جمهور المعتزلة ، قيل : فيلزم على مقتضى أصلكم أن يكون معلوم هذا العلم شيئا ، فيفضي ذلك إلى إثبات شريك للّه تعالى معدوم هو شيء ، وهذا خروج عن الدين . ويلزم منه أن تكون استحالة اجتماع الضدين شيئا . فلما لزم السؤال ، زعم أبو هاشم أن هذا ضرب من العلم لا معلوم له ، وهذا نهاية من الجهل لا يبلغها محصل . فإن من زعم أني أعلم [ أنه ] لا شريك للّه ، ( وأن لا شريك له ) غير معلوم لي ، ناقض في القول مناقضة لا يأتيها محقق ، ولم يكن أولى بهذا القول ممن يقلب عليه ، فيقول : إن لا شريك للّه معلوم لي أو لا أعلمه ؟ وكل مذهب يقود صاحبه إلى هذا المحال ، فهو فاسد من أصله . ثم لو ساغ إثبات علم لا معلوم له ، ساغ إثبات إرادة لا مراد لها ، وقدرة لا مقدور لها ، إذ ليس بعض هذه الأوصاف المتعلقة أولى بنفي متعلقاتها من بعض ، فيلزمهم أن يثبتوا قدرة حادثة لا مقدر لها ، ويكفوا عن استبعادهم ثبوت قدرة لا أثر لها . ومما نستدل به عليهم أن نقول : إذا زعمتم أن حدوث الشيء ليس بوصف زائد عليه وهو من أثر القدرة ، فيلزمكم على مؤدي ذلك نفي الأعراض ، إذ السبيل إلى إثباتها الطريقة المشهورة في السبر والتقسيم ، وهي أن الجوهر إذا تحرك بعد أن لم يكن متحركا ، فلا يخلو تحركه إما أن يكون لنفسه ، أو لمعنى زائد موجود ، أو لا لنفسه ، ولا لمعنى . ثم المستدل بهذه الطريقة يبطل كل قسم إلا المصير إلى أن الجوهر تحرك لمعنى ، وهذا لا يستقيم على أصلكم ، مع مصيركم إلى أن المعدوم كان جوهرا غير متصف بالوجود . ثم اتصف بالوجود إلى غير زيادة معنى ، ولو ساغ القول بثبوت حال هو من أثر القدرة من غير إثبات معنى موجب له ، فيلزم مثل ذلك في تحرك الجوهر ، حتى يقال إنه من أثر القدرة ، من غير تقدير ثبوت الحركة ، وهذا ما لا مخلص لهم منه . ومما نتمسك به أن نقول : قد زعمتم أن الجوهر متحيز في عدمه ، ثم تحيزه من صفات نفسه ، وهذا تخليط منهم عظيم ، وخبط في قواعد الكلام ، إذ من حكم صفة النفس لزومها مع ثبوت النفس ، كما أن الجوهر لما كان جوهرا لنفسه لزمته هذه الصفة مع ثبوت نفسه وجودا وعدما . ولو جاز توقف التحيز مع كونه من صفة النفس على الحدوث ، لجاز توقف كونه جوهرا على الحدوث ، وهذا ما لا جواب عنه . ويتضح أثر فساده عند ذكرنا صفات النفس والمعنى .